لطالما كانت السواحل التونسية الممتدة على أكثر من 1300 كلم مصدراً وفيراً للرزق، لكن في السنوات الأخيرة، أصبح الصياد والمستهلك يلاحظان حقيقة مرة: “البحر لم يعد كما كان”. نقص الأسماك وارتفاع أسعارها ليس مجرد صدفة، بل هو نتيجة تداخل معقد لعدة عوامل بيئية وبشرية.
إليك الأسباب الرئيسية التي أدت إلى هذا التدهور:
1. الصيد العشوائي (وخاصة صيد “الكيس”)
يُعتبر الصيد العشوائي العدو الأول للبحر في تونس. استخدام شباك “الكيس” (Trawl nets) الممنوعة قانونياً في المناطق القريبة من الساحل يؤدي إلى “حرث” قاع البحر.
تدمير المراعي: هذه الشباك تجرف أعشاب “البوسيدونيا”، وهي الرئة التي يتنفس بها البحر والمكان الذي تضع فيه الأسماك بيوضها وتختبئ فيه صغارها.
إبادة اليرقات: الصيد بفتحات شباك صغيرة جداً يقتل الأسماك الصغيرة قبل أن تكبر وتتكاثر، مما يقطع دورة حياة الثروة السمكية.
2. التغير المناخي وارتفاع حرارة المياه
تونس من أكثر الدول تأثراً بالاحتباس الحراري في المتوسط.
المد الأحمر ونقص الأكسجين: ارتفاع حرارة الماء يؤدي إلى تكاثر طحالب سامة (ظاهرة المد الأحمر) التي تستهلك الأكسجين المذاب، مما يؤدي إلى اختناق الأسماك ونفوقها الجماعي، كما حدث في مناطق مثل بحيرة بوغرارة وخليج المنستير.
هجرة الأصناف: بدأت أنواع تونسية أصيلة بالهجرة نحو مياه أكثر برودة في الشمال، بينما غزت مياهنا أصناف غريبة (مثل “الداعش” أو سلطعون البحر الأزرق) التي تنافس الأسماك المحلية على الغذاء والدور البيئي.
3. التلوث البحري والصرف الصناعي
تعاني العديد من النقاط الساحلية (مثل خليج قابس وضفاف صفاقس وسوسة) من ضغط التلوث.
الفوسفات والكيماويات: سكب الفوسفات والنفايات الصناعية يغير كيمياء الماء ويقتل التنوع البيولوجي.
مياه الصرف الصحي: سكب المياه غير المعالجة مباشرة في البحر يرفع نسبة البكتيريا ويجعل المناطق القريبة من المدن “صحاري مائية” تخلو من الحياة السمكية.
4. الضغط المكثف والصيد في فترة “الراحة البيولوجية”
عدم احترام فترات الراحة البيولوجية (التي تمنح السمك وقتاً للتكاثر) يمنع تجدد المخزون. فمع ارتفاع عدد المراكب وتطور تكنولوجيات الرصد (السونار)، أصبح السمك “محاصراً” في كل مكان، ولم تعد له فرصة لاستعادة توازنه الطبيعي.
هل يوجد حل؟
يرى الخبراء في 2026 أن الحل يكمن في ثلاثة محاور:
التطبيق الصارم للقانون ضد صيد “الكيس” وحماية الملك العمومي البحري.
التوسع في تربية الأحياء المائية (Aquaculture) لتخفيف الضغط على الصيد الساحلي.
إنشاء المزيد من المحميات البحرية للسماح للبيئة البحرية بترميم نفسها بعيداً عن النشاط البشري.
ختاماً: البحر كريم، لكنه يحتاج لفرصة ليرتاح. حماية ثروتنا السمكية ليست مسؤولية الدولة فقط، بل هي مسؤولية كل صياد ومستهلك